حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
567
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وقوعه على المفعول ، واعتبار صدوره عن الفاعل . وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر . وإنما لزم اعتبار الفعل هاهنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون . ويحتمل أن يقال : المعنى فاذكروا اللّه ذكرا مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكرا . ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك : « وجهك أحسن وجه » أي أحسن الوجوه . فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله « زيد أفره عبدا » . فالفراهة للعبد لا لزيد . والمذكور قبل أَشَدَّ هاهنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال « أشد ذكرا إنما قياسه أن يقال : الذكر أشد ذكر جرا إضافة . وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكرا مجازا . ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر ، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه . فمعنى « أو » هاهنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره « افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه » . وإنما أمر اللّه تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية ، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة ، وغاية الأول تضييع وحرمان ، ولازم الثاني نور وبرهان . ثم إنه تعالى بعد ما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال ، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان : منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة ، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة تنبيها على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد ، فإن الإنسان خلق ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار . فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة . عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له : ما كنت تدعو اللّه به ؟ قال : كنت أقول : اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : سبحان اللّه إنك لا تطيق ذلك ألا قلت : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ؟ فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشفي . والإنصاف أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه ، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات ، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات ، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد اللّه إياه في دنياه وعقباه ؟ ! ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم ؟ عن ابن عباس : أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وإماء وعبيدا . وذلك